النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: طارق بن زياد

بسم الله الرحمن الرحيم ولد طارق بن زياد في القرن الأول الهجري -50هـ- في خنشلة في الجزائر في قبيلة نفزة ، أسلم على يد موسى بن نُصَير أمير أفريقيا

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الدولة
    في بساتين الكلمات
    المشاركات
    4,003
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي طارق بن زياد



    بسم الله الرحمن الرحيم

    ولد طارق بن زياد
    في القرن الأول الهجري -50هـ- في خنشلة في الجزائر في قبيلة نفزة ، أسلم على يد موسى بن نُصَير أمير أفريقيا ، فكان من أشد رجاله ، وكان أول نشأته،أثناء ولاية زهير بن قيس على إفريقيا. فلما قُتل زهير في طبرق، عام 76هـ، عُين طارق أميرًا على برقة غير أنه لم يلبث طويلاً في هذا المنصب، إذ أنه سرعان ما اختير قائدًا لجيش موسى بن نصير، فأبلى بلاء حسنًا في حروبه. وظهرت لموسى قدرته في اقتحام المعارك، ومهارته في قيادة الجيش، فولاه على مقدمة جيوشه بالمغرب. وهكذا أتيح لطارق بن زياد أن يتولى قيادة جيوش موسى، ويشترك معه بقية بلاد المغرب، والسيطرة على حصون المغرب الأقصى حتى المحيط الأطلسي.


    وعلى يد "طارق بن زياد" قامت دولة للمسلمين في بلاد "الأندلس" المعروفة الآن بإسبانيا و"البرتغال" ، وقد ظلت تلك الدولة قائمة هناك ثمانية قرون .
    هذا البطل العظيم ليس من أصل عربي ، ولكنه من أهالي البربر الذين يسكنون بلاد "المغرب" العربي ، وكثير من هؤلاء البربر دخل في الإسلام ، منهم "عبد الله" جد "طارق بن زياد" ، وهو أول اسم عربي إسلامي في نسبه ، أما باقي أجداده فهم من البربر الذين يتميزون بالطول واللون الأشقر .



    16482twa9el.jpg
    ·بدايته :
    نشأ "طارق بن زياد" مثلما ينشأ الأطفال المسلمون ، فتعلم القراءة والكتابة وحفظ سورًا من القرآن الكريم وبعضًا من أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم- ، ثم ساعده حبه للجندية في أن يلتحق بجيش "موسى بن نصير" أمير "المغرب" ، وأن يشترك معه في الفتوح الإسلامية ، وأظهر شجاعة فائقة في القتال ، ومهارة كبيرة في القيادة لفتت أنظار"موسى بن نصير" ، فأعجب بمهاراته وقدراته ، واختاره حاكمًا "طنجة" المغربية التي تطل على البحر المتوسط .
    التفكير في فتح بلاد "الأندلس" :
    كانت بلاد "الأندلس" يحكمها ملك ظالم يدعى " لذريق" ، كرهه الناس وفكروا في خلعه من الحكم والثورة عليه بالاستعانة بالمسلمين الذي يحكمون الشمال الإفريقي بعد أن سمعوا كثيرًا عن عدلهم ، وتوسط لهم الكونت "يوليان" حاكم "سبتة" القريبة من "طنجة" في إقناع المسلمين بمساعدتهم ، واتصل بطارق بن زياد يعرض عليه مساعدته في التخلص من "لذريق" حاكم الأندلس ، وقد رحب "طارق" بهذا الطلب ، ووجد فيه فرصة طيبة لمواصلة الفتح والجهاد ، ونشر الإسلام وتعريف الشعوب بمبادئه السمحة ، فأرسل إلى "موسى بن نصير" أمير "المغرب" يستأذنه في فتح "الأندلس" ، فطلب منه الانتظار حتى يرسل إلى خليفة المسلمين "الوليد بن عبد الملك" بهذا العرض ، ويستأذنه في فتح "الأندلس" ويشرح له حقيقة الأوضاع هناك ، فأذن له الخليفة ، وطلب منه أن يسبق الفتح حملة استطلاعية يكشف بها أحوال "الأندلس" قبل أن يخوض أهوال البحر .

    حملة "طريف" الإستطلاعية : واستجابة لأمر الخليفة بدأ "طارق" يجهز حملة صغيرة لعبور البحر المتوسط إلى "الأندلس" بقيادة قائد من البربر يدعى "طريف بن مالك" ، وتضم خمسمائه من خير جنود المسلمين وذلك لاستكشاف الأمر ومعرفة أحوال "الأندلس" ، وتحركت هذه الحملة في شهر رمضان من سنة (91 ه = يوليو 710 م) فعبرت في أربع سفن قدمها لها الكونت "يوليان" ، ونزلت هناك على الضفة الأخرى في منطقة سميت بجزيرة "طريف" نسبة إلى قائد الحملة ، وقامت هذه الحملة الصغيرة بدراسة البلاد وتعرفوا جيدًا عليها ، ولم تلق هذه الحملة أية مقاومة وعادت بغنائم وفيرة.

    ·حملة "طارق بن زياد" :

    وقد شجعت نتيجة هذا الحملة أن يقوم "طارق بن زياد" بالاستعداد لفتح بلاد "الأندلس" ، وبعد مرور أقل من عام من عودة حملة "طريف" خرج "طارق بن زياد" في سبعة آلاف جندي معظمهم من البربر المسلمين ، وعبر مضيق البحر المتوسط إلى " الأندلس" ، وتجمع المسلمون عند جبل صخري عرف فيما بعد باسم جبل "طارق" في (5 من شهر رجب 92 ه = 27 من إبريل 711 م) .
    وأقام "طارق" بتلك المنطقة عدة أيام ، وبنى بها حصنًا لتكون قاعدة عسكرية بجوار الجبل ، وعهد بحمايتها إلى طائفة من جنده لحماية ظهره في حالة اضطراره إلى الانسحاب .
    ثم سار "طارق بن زياد " بجيشه مخترقًا المنطقة المجاورة بمعاونة الكونت "يوليان" ، وزحف على ولاية "الجزيرة الخضراء" واحتل قلاعها ، وفى أثناء ذلك وصلت أنباء الفتح إلى أسماع "لذريق" ، وكان مشغولاً بمحاربة بعض الثائرين عليه في الشمال ، فترك قتالهم ، وأسرع إلى "طليطلة" عاصمة بلاده ، واستعد لمواجهة جيش المسلمين .
    كان "طارق بن زياد" قد سار بجيشه شمالاً إلى "طليطلة" وعسكرت قواته في سهل واسع ، يحدها من الشرق نهر "وادي لكة" ، ومن الغرب نهر "وادي البارباتى" ، وفى الوقت نفسه أكمل "لذريق" استعداداته ، وجمع جيشًا هائلاً بلغ مائة ألف مقاتل مزودين بأقوى الأسلحة ، وسار إلى الجنوب للقاء المسلمين ، وهو واثق كل الثقة من تحقيق النصر .
    ولما علم "طارق" بأنباء هذه الحشود بعث إلى "موسى بن نصير" يخبره بالأمر ، ويطلب منه المدد ، فبعث إليه بخمسة آلاف جندي من خيرة الرجال ، وبلغ المسلمون بذلك اثني عشر ألفًا.
    ·اللقاء المرتقب :


    16483twa9el.jpg
    رحل "لذريق" إلى بلدة "شذونة" وأتم بها استعداداته ، ثم اتجه إلى لقاء المسلمين ، ودارت بين الفريقين معركة فاصلة بالقرب من "شذونة" وكان اللقاء قويًّا ابتدأ في
    (28 من رمضان 92 ﻫ = 18 من يوليو 711م ) وظل مستمرًّا ثمانية أيام ، أبلى المسلمون خلالها بلاء حسنًا ، وثبتوا في أرض المعركة كالجبال رغم تفوق عدوهم في العدد والعدة ، ولم ترهبهم قوته ولا حشوده ، وتفوقوا عليه بالإعداد الجيد ، والإيمان القوى ، والإخلاص لله، والرغبة في الشهادة في سبيل الله.
    وتحقق لهم النصر في اليوم الثامن من بدء المعركة ، وفر "لذريق" آخر ملوك القوط عقب المعركة ، ولم يعثر له على أثر ، ويبدو أنه فقد حياته في المعركة التي فقد فيها ملكه .
    ·ما بعد النصر :
    وبعد هذا النصر العظيم طارد "طارق بن زياد" فلول الجيش المنهزم ، وسار بجيشه يفتح البلاد ، ولم يجد مقاومة عنيفة في سيرة تجاه الشمال ، وفى الطريق إلى "طليطلة" عاصمة القوط كان "طارق" يرسل حملات عسكرية صغيرة لفتح المدن ، مثل "قرطبة" ، و"غرناطة" و"ألبيرة" و"مالقة" .
    وواصل "طارق" سير شمالاً مخترقًا هضاب "الأندلس" حتى دخل "طليطلة" بعد رحلة طويلة شاقة بلغت أكثر ما يزيد على (600) كيلومتر عن ميدان المعركة التي انتصر فيها .
    ولما دخل "طارق" مدينة "طليطلة" أبقى على من ظل بها من السكان ، وأحسن معاملتهم ، وترك لهم كنائسهم , وتابع زحفه شمالاً حتى وصل إلى خليج "بسكونيه" ، ثم عاد ثانية إلى "طليطلة" ، وكتب إلى "موسى بن نصير" يحيطه بأنباء هذا الفتح وما أحرزه من نصر ، ويطلب منه المزيد من الرجال والعتاد لمواصلة الفتح ونشر الإسلام في تلك المناطق وتخليص أهلها من ظلم القوط .
    ·"موسى بن نصير" والمشاركة في فتح "الأندلس" :


    b1eb4c4713.jpg




    كان "موسى بن نصير" يتابع سير الجيش الإسلامي بقيادة "طارق بن زياد " في "الأندلس" ، وأدرك أنه في حاجة إلى عون ومساندة ، بعد أن استشهد كثير من المسلمين في المعارك التي خاضوها ، فعبر إلى "الأندلس" في ثمانية عشر ألف جندي في (رمضان 93 ﻫ = يونيه 712 م) ، وسار بجنوده في غير الطريق الذي سلكه "طارق بن زياد" ، ليكون له شرف فتح بلاد جديدة ، حتى وصل إلى "طليطلة" والتقى بطارق بن زياد .
    وبعد أن استراح القائدان قليلاً في "طليطلة" عاودا الفتح مرة ثانية ، وافتتحا "سرقسطة" و"طركونة" و"برشلونة" وغيرها من المدن ، ثم افترق الفاتحان ، وسار كل منهما في ناحية حتى أتما فتح "الأندلس" .
    ·العودة إلى "دمشق" :
    بينما القائدان يفتحان البلاد وصلت رسالة من الخليفة "الوليد بن عبد الملك" يأمرهما فيها بالتوقف عن الفتح ، والعودة إلى "دمشق" لتقديم بيان عن أخبار الفتح، وكان القائدان قد نظما شئون البلاد، واتخذا من "إشبيلية" عاصمة جديدة للأندلس لقربها من البحر .
    وبعد ذلك غادر القائدان "الأندلس" وواصلا السير إلى "دمشق" عاصمة الدولة الأموية ، فوصلاها بعد تولية "سليمان بن عبد الملك" الخلافة بعد وفاة أخيه "الوليد"، وقدما له تقريرًا وافيًا عن الفتح ، فاستبقاهما الخليفة إلى جواره وأقام "طارق بن زياد" هناك ، مكتفيًا بما حققه من فتوحات عظيمة خَّلدت اسمه بين الفاتحين العظام من المسلمين .
    ·شخصية "طارق بن زياد" :
    كان "طارق بن زياد" قائدًا عظيمًا استطاع بإيمانه وصبره وعزيمته وإصراره أن يصل إلى هذه المكانة العظيمة .
    ونجح في تحقيق هذه الانتصارات لأنه كان يفكر في كل خطوة يخطوها ، ويتأنى في اتخاذ القرار، ويجمع المعلومات قبل التحرك ، فقبل أن يعبر إلى "الأندلس" أرسل حملة استطلاعية كشفت له أحوال "الأندلس" .
    كما كان مؤمنا صادق الإيمان على يقين من نصر الله حتى في أحرج الأوقات ، فظل ثمانية أيام يحارب عدوه في لقاء غير متكافئ من حيث العدد والعدة ، لكنه تمكن من تحقيق النصر في النهاية بفضل الله تعالى .
    ·"طارق بن زياد" في سطور:
    - قائد عظيم من أصول غير عربية ، فهو من أبناء قبائل البربر في بلاد "المغرب" التي فتحها المسلمون .
    - مكنته مواهبه العسكرية من الترقى في جيش "موسى بن نصير" حتى وصل إلى أرفع المناصب .
    - ولاه "موسى بن نصير"إمارة مدينة "طنجة" تقديرًا لكفاءته .
    - اتصل به الكونت "يوليان" وطلب منه المساعدة في فتح "الأندلس" وتخليص أهلها من ظلم القوط .
    - عبر "طارق بن زياد" بجنوده البحر المتوسط إلى بلاد "الأندلس" ، وتجمعوا عند جبل لا يزال يعرف إلى الآن بجبل طارق .
    - دخل في معركة حاسمة مع "لذريق" ملك القوط في "شذونة" ، ونجح في تحقيق نصر عظيم بعد ثمانية أيام من القتال العنيف .
    - نجح بعد ذلك في مواصلة الفتح والاستيلاء على "طليطلة" عاصمة القوط .
    - ذهب إليه "موسى بن نصير" ، وقام القائدان باستكمال فتح "الأندلس" .
    - بعد إتمام الفتح ذهب إلى "دمشق" حيث مقر الخلافة الأموية ، وقدم تقريرًا عن الفتح للخليفة الأموي ، وأقام هناك ولم يعد لمواصلة الفتح .
    اسطوره حرق طارق بن زياد للسفن لكى يحمس العرب المسلمين لمقاتله القوط وفتح بلاد الاندلس اسبانيا حاليا نعم اسطوره لانها لم تحدث ادعها المستشرقين من اجل التقليل من قيمه القاده المسلمين واليكم الدلائل على كذب ادعائهم

    ان السفن كانت مللك لتجار المسلمين ومللك للخليفه وباقى تم صناعته فى دار السفن فى المغرب التلا اقامها موسى بن نصير فكيف يحرق طارق بن زياد ماللا يملكه الم يفكر فى عقاب الخليفه او عقاب قائده موسى بن نصير
    كيف يحرق طارق الوسيله الوحيده التى ستعود به الى بلاد المغرب فى حاله الهزيمه والتى سياتى له المدد عليها وهذا ماحدث فعبر موسى بن نصير ب18الف جندى فكيف عبر موسى ان كان طارق قد احرق السفن
    الخطبه التى نسبت زورا ان طارق من قالها وهى انه صاح فى جنوده وقال لهم بعد حرقه للسفن ايها النا س اين المفر البحر من خلفكم والعدو من امامكم فاين المفر فاما النصر او الشهاده لو راينا الخطبه نجد انها قليت بلغه عربيه فصى واذا علمنا ان طارق بن زياد كان من البربر والبربر لم يجيدوا للغه العربيه فكيف يقول خطبه بهذه البلاغه
    ادعوا المستشرقين ان طارق قام بعمليه حرق السفن ليحمس العرب المسلمين للقتال بعد ما احس منهم الخوف والضعف من ملاقه القوط وماذا لو علمنا ان سبعه الالاف مقاتل الذين كانوا مع طارق كانوا جميعهم من البربر وان المدد الذى سياتى به موسى بن نصير فى العام التالى سيكون فيهم العرب المسلمين
    غير ان اسطوره حرق السفن لم ترد فى اى روايه عربيه من المروايات الثقه والمصادر الاصليه انما ذكرت فى المراجع المستشرقين
    مايريده المستشرقون هو التقليل من القاده المسلمين ومن العرب اهلنا حتى ينزعوننا من هويتنا انهم رجال صدقوا ماعهدوا الله عليه ولالاسف يتم تدريس ابناءننا لمثل هذه الادعاءات ولكن يجب ان نرجع مروايات هولاء لعقل والبحث والتقصى حتى نكون لقمه صائغه فى افواهيهم داعيه من الله ان يجمع شمل امتتنا من جديد ويمدنا بابطال مثلهم يارب

    الخطبة .............
    الظرف:‏

    أمّا الظرف الذي قيلت فيه الخطبة فهو كما ذكر ابن خلكان والمقري، أنَّ طارق بن زياد لمّا استقر بأرض الأندلس، وبلغ دنوّ لذريق منه قام في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم حثَّ المسلمين على الجهاد ورغّبهم في الشهادة، ثم قال: "أيها الناس، أين المفر..." (9). أمّا ابن هذيل الأندلسي، وهو من أهل القرن الثامن الهجري، الثالث عشر الميلادي، فأورد لنا رأياً آخر عن الظرف الذي قيلت فيه الخطبة، خالف فيه ابن خلكان والمقري، وغيرهما من المؤرخين، فقال: "... فاقتتلوا ثلاثة أيَّام أشد قتال، فرأى طارق ما الناس فيه من الشدة، فقام يعظهم ويحضهم على الصبر ويرغبهم في الشهادة ثم قال: أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم..." (10).‏

    ومهما يكن من أمر فإنَّ الظرف الذي قيلت فيه الخطبة هو فتح الأندلس، ولا يهم أكان ذلك قبل بدء المعركة الفاصلة أم أثناءها.‏

    3 ـ حياة الخطبة:‏

    لقد عاشت الخطبة في المصادر المغربية والمشرقية التاريخية والأدبية، كتاريخ عبد الملك بن حبيب(11)، المتوفى سنة 238 هـ/ 852م والإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة(12)، المتوفى سنة 276هـ/ 889م، وسراج الملوك للطرطوشي(13)، المتوفى سنة 520هـ/ 1126م، وريحان الألباب وريعان الشباب في مراتب الآداب لأبي محمد عبد الله المواعيني الإشبيلي(14)، عاش في عصر الموحدين، ووفيات الأعيان لابن خلكان(15)، المتوفى سنة 681هـ/1282م، وتحفة الأنفس وشعار أهل الأندلس لعلي بن عبد الرحمن بن هذيل(16)، وهو من أهل القرن الثامن الهجري، ونفح الطيب للمقري(17)، المتوفى سنة 1041هـ/1631م.‏

    وقد وردت الخطبة في هذه المصادر بنصوص متشابهة حيناً ومختلفة حيناً آخر، ولكنّها نالت شهرتِها بفضل ابن خلكان الذي نقل حرفيات الخطبة عن مصدر لم يذكره، ثمَّ أخذها عنه المقري، فأورد لنا نصّاً "منقحاً ومشذباً" عما كان يتناقله المؤرخون والكُتّاب في تآليفهم ومصَنّفاتِهم خلال عَصرهِ من أخبار تتعلق بالإطار البنائي والأدبي للخطبة دون مناقشتها وتحليلها(18).‏

    وقد اتخذنا نص "نفح الطيب" أساساً للدراسة باعتباره من أكمل النصوص التي وصلت إلينا، وإنْ كان اختلافُ النصوص في المصادر القديمة يدعو إلى الاعتقاد بأنَّ الخطبة قد أدخلت عليها تعديلات وإضافات من قبل الأجيال اللاحقة حتى انتهت إلى الشكل الذي هي عليه الآن.‏

    4 ـ نص الخطبة(19):‏

    قال: "أيّها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدوُّ أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدقُ والصبر، واعلموا أنّكم في هذه الجزيرة أضيَعُ من الأيتام، في مأدُبَة اللئام، وقد استقبلكم عدوّكم بجيشه وأسلحته، وأقواتُهُ موفورة، وأنتم لا وَزَرَ(20) لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلاَّ ما تستخلصونه من أيدي عدوّكم، وإن امتَدّت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمراً ذهبت ريحكم(21)، وتعوّضت القلوب من رُعبها منكم الجراءة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بِمُناجزة(22) هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينَتُه الحصينة، وإنّ انتهاز الفُرْصَة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإنّي لم أحذِّركم أمراً أنا عنه بنَجْوة(23)، ولا حملتكم على خُطة أرخصُ متاع فيها النفوسُ (إلاَّ وأنا)(24)أبدأ بنفسي، واعلموا أنّكم إن صَبرتم على الأشق قليلاً، استمعتم بالأرْفَه الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حَظّكم فيه بأوفى من حظّي، [وقد بلغكم ما أنشأتْ هذه الجزيرةُ من الحور الحسان، من بنات اليونان، الرافلات في الدر والمَرْجان، والحُلَل المنسوجة بالعِقْيان(25)، ا لمقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان]، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أميرُ المؤمنين من الأبطال عُرْبانا(26)، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختانا(27)، ثقةً منه بارتياحكم للطّعان(28)، واستماحكم بمُجالدة الأبطال والفُرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مَغْنَمُها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى وليُّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين، واعلموا أني أوّل مجيبٍ إلى ما دعوتكم إليه، وأنّي عند مُلْتَقى الجمعين حاملٌ بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتِلهُ إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره، ولم يُعْوزكم بطلٌ عاقل تسندون أموركم إليه وإن هلكتُ قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهمَّ من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنِهم بعده يُخْذَلون".‏

    ثانياً: تحليل الخطبة:‏

    1 ـ عنوان الخطبة:‏

    تُعرفُ هذه الخطبة في الكتب المدرسية باسم "خطبة طارق بن زياد" أو "خطبة طارق في الترغيب في القتال"(29)، وليس هذا العنوان جُزْءاً أصيلاً في الخطبة، وإنَّما هو عنوان وضعه لها، اجتهاداً، بعض المنتقين للتمييز بينها وبين خطب الآخرين، وهذا يعني أنَّ هؤلاء المنتقين قد أقرّوا أنَّ لطارق خطبة واحدة، ونحن لا نشاطرهم الرأي في ذلك، لأنّنا نعرف أنَّ ما وصلنا من مصادر قديمة قليل جداً، وأنَّ ما وصلنا فيها من أخبار ونصوص ليس غير جزء ضئيل مِمَّا كنا ننتظر وما زلنا ننتظر أن يأتينا يومٌ يُكشفُ فيه النقابُ عن تراثنا الدَّفين، ولعلّنا نكتشفُ عندئذٍ أنَّ لطارق خُطباً أخرى وأشعاراً أخرى، كما ذكرت بعض المصادر(30).‏

    ومن هنا جاءت بادرتُنا، في التفكير في وضع عنوان لخطبة طارق، هذه، حتى نُميزها من غيرها من الخطب المنتظرة من ناحية، وحتى نبيّن بأنَّ العنوان هو ذاكرة النص ورأسه المفكر من ناحية ثانية، ونرى بأنَّ العنوان المناسب لخطبة طارق، هو: "خطبة الفتح" على غرار "خطبة الوداع" للرسول الأعظم محمد (().‏

    2 ـ نوع الخطبة:‏

    تعدُّ خطبة طارق بن زياد هذه من عيون الأدب العربي، وهي من أروع الخطب الحربية التي عرفها التاريخ، وهي من النوع الحماسي والحض على الجهاد.‏

    3 ـ هدف الخطبة:‏

    هدف الخطبة الأساسي هو تحريض الجُنْد على القتال وبعث الحماس في نفوسهم، وحثهم على الصمود والثبات لمواجهة العدو والانتصار عليه.‏

    4 ـ أقسام الخطبة ومضمونِها:‏

    تخلو هذه الخطبة من أيّ شكل من أشكال المقدمات، إذ يتناول طارق الموضوع مباشرة، ويشتمل على ثلاثة مقاطع متتالية تكوّن فيما بينها وحدة في الموضوع (الحث والتحريض على الجهاد).‏

    المقطع الأول: الترهيب: ويبدأ بـ(أيها الناس، أين المفر؟..) وينتهي بـ(إلاَّ وأنا أبدأ بنفسي).‏

    وقد وجّه فيه طارق الخطاب إلى أصحابه، ورسم لهم صورة عامة للظروف التي هم فيها، مما يفرض عليهم الصمود والثبات لمجابَهة العدو، وقد اعتمد في ذلك على المقابلة بين وضعيتهم ووضعية أعدائهم، فالمسلمون محاطون بالبحر الذي خلفوه وراءهم، وبالعدو الذي يزحف نحوهم، وقد شبّههم في وضعهم هذا بالأيتام الضائعين في مأدبَة اللئام، لا سند لهم ولا معين إلا سيوفهم، ولا قوت إلاَّ ما يستخلصونه بأنفسهم من أعدائهم الذين يتوافرون على جيشٍ جرّارٍ، وأسلحةٍ كثيرةٍ، وأقواتٍ موفورةٍ، ثم حذّرهم من خطورة النتائج، إنْ طالت بهم الأيام وهم على هذا الوضع، ولم ينفّذوا ماهم بصدده من القضاء على عدوهم، الذي يمكن أن ينقلب خوفُه منهم جرأة عليهم(31)، أي: أنَّه جعل جنوده في موقفٍ حرج لا مجال فيه إلاّ للموت أو الاستماتة في القتال، وجعل نفسه مثالاً حيّاً يتقدم صفوف المجاهدين(32).‏

    ولقد لجأ في خطبته إلى العقل أوّلاً دون العاطفة عندما وضع جنوده في الإطار الحقيقي بعد إحراق سفنه(33)، وحين يسيطر العقل على العاطفة في الخطبة تغيبُ الصور عن الساحة، ويتوقف الخيال عن التّدخل... فحديث العقل هامسٌ هادئ، أمَّا حديث العاطفة فحديث قارعٌ ضاجٌّ يستثيرُ النّوازع البدائية في النفوس كما تستثيرها الطبول بأصواتِها القوية المدوية(34).‏

    المقطع الثاني: التّرغيب: ويبدأ بـ(واعلموا أنّكم إن صبرتم على الأشق قليلاً)، وينتهي بـ(والله تعالى ولي إنْجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين).‏

    وبعد أنْ فصّل في جانب الترهيب، عمد إلى الترغيب، ليبث في نفوس جنُودِه مزيداً من الحماس، فحثهم على الصمود والجهاد، وأوصاهم بالصبر على مشاق الحرب مدة قصيرة ليستمتعوا بثمار النصر زمناً طويلاً، ولينالوا رضى الخليفة (الوليد بن عبد الملك) الذي اختارهم من أبطال العرب والمسلمين لفتح تلك الجزيرة، رغبة منه في أنْ يكون حظه منهم ثواب الله عزّ وجلّ على إعلاء كلمته وإظهار دينه في هذه الأرض، وهو يعدهم بأنَّ ما يُحْرِزُونَهُ من غنائم في الحرب حق خالص لهم لا يشاركهم فيه أحدٌ، لا الخليفة، ولا غيرُه ممّن لم يحارب معهم، ثم ذكرّهم بأنّ الله سبحانه وتعالى سيكون في عونِهم على هذا العمل الصالح الذي سيكسبهم ذكراً حسناً في الدارين.‏

    أمّا الفقرة التي وضعناها بين حاضنتين (في نص الخطبة)، فإنَّنا نرتاب في نسبتها إلى طارق، ونعتقد أنّها من وضع بعض المستعربين (المستشرقين) الحاقدين على الإسلام والمسلمين وتدبيجهم، لأن ما ورد فيها لا يتلاءم والروح الإسلامية العالية التي يتميز بها الفاتحون الأوائل من أمثال طارق بن زياد، فالفارق واضح بين لغة الخطبة كلها، ولغة هذه الفقرة التي يُغري طارق فيها جنوده بفتيات الأندلس وبالحور من بنات اليونان (ولسنا ندري لماذا اليونان؟) اللائي يرْفلن باللآلئ والمرجان، وهن بنات الملوك والأمراء (كما زعموا). فهي فقرة شاذة طغى عليها السجع طغياناً لم نَجِدْه في سائر الخطبة من ناحية وانحَطّت لُغتُها في الوقت نفسه إلى دركٍ لا يمكن أنْ نظنَّ معه أبداً أنّها وبقية أجزاء الخطبة من عمل واحدٍ. إلى جانب ما جاء فيها من التناقض في المعاني، وفي الأسلوب، ومن مخالفتها لحقائق تاريخية، كإقحام كلمة "اليونان" في الفقرة، في حين أنَّ المؤرخين الأندلسيين قد اعتادوا على استعمال كلمة "الروم" أو "القوط" وكذلك اصطلاح "العلوج والعجم أو المشركين والكفار"(35).‏

    وفضلاً عن ذلك فإنَّ المؤرخين العرب القدماء الذي ينتمون إلى أزمنة مختلفة، وأمكنة متباعدة تجاهلوها، وكأنَّها شيء لا أصل له في الخطبة، فلم يثبتها أحد من المؤرخين الأوائل، أمثال: عبد الملك بن حبيب (ت 238هـ/852م). صاحب كتاب "مبدأ خلق الدنيا"، المعروف بتاريخ ابن حبيب، وابن قتيبة (ت 276 هـ/889م) صاحب كتاب "الإمامة والسياسة"، والطرطوشي (ت 520 هـ/ 1126م) صاحب كتاب "سراج الملوك"، وغيرهم. وأوّل من أورد هذه الفقرة في الخطبة هو ابن خلكان (ت 681هـ/ 1282م). صاحب كتاب "وفيات الأعيان". ويبدو أنَّ الفقرة قد أضيفت إلى الخطبة بعد عصر ابن خلكان عندما استولى الصليبيون على بلاد المسلمين وعبثوا بتراثهم...‏

    وإذن، فلابد من الوقوف وقفة شكّ كبير أمام هذه الفقرة "ومما يزيد هذا الشك رسوخاً تلك الحقيقة التاريخية التي عُرفت عن الجيوش الإسلامية عامة ـ ولاسيما في تلك القرون الأولى من حملات الإسلام ـ وهي أنَّ هذه الجيوش لم تكن تغزو للغزو وللغنائم التي ينالها الغزاة عادة، بل كانت تغزو في سبيل فكرة وعقيدة"(36).‏

    وهذه الحقائق التّاريخية، لا تُعجبُ الصليبيين الحاقدين على الإسلام والمسلمين، فعملوا ما في وسعهم على تشويه التاريخ الإسلامي المجيد بجوانبه المتعددة، تارة بالزيادة، وطوراً بالحذف، ولكن (يُريدُونَ ليُطفِئوا نُورَ الله بأفواهِهم والله مُتِمُّ نُورِهِ ولو كَرِهَ الكَافِرُونَ((37).‏

    المقطع الثالث: إبراز خطته الحربية في المعركة، ويبتدئ بـ(واعلموا أني أوّلُ مجيب إلى ما دعوتكم إليه)، وينتهي بـ(فإنّهم بعده يخذلون).‏

    وبعد أنْ تناول جانب الترغيب مركزاً على الجانبين المادي والمعنوي معاً، انتقل إلى إبراز خُطَّته الحربية في المعركة التي يقبل عليها، واضعاً كل الاحتمالات الممكنة أمام أعينهم تجنّباً للاضطراب أو تصدّع الصفوف في حالة استشهاد القائد، وقد أعلن عن خطته في اللحظات الحاسمة قبل نشوب المعركة، مما يدلُّ على حنكته وبعد نظره(38)، ثم أخبرهم بأنّ قتل لذريق ملك الأعداء سيسهل مهمة فتح الأندلس، لأن قومه سيخذلون بعد قتله، وقد اتخذ نفسه قدوة لجنده عندما تكفل هو بنفسه بقتل لذريق، وقال لهم: فإنْ متُّ بعد قتل الطاغية فقد كفيتكم شره، عندئذٍ تستطيعون إسناد أموركم إلى بطل عاقل يخلفني في قيادتكم.‏

    5 ـ الأسلوب:‏

    الأسلوب في هذه الخطبة، هو أسلوب الخطابة بشكل عام، يمتاز بالقوة والجزالة، وبالإيجاز والفصاحة، وبتماسك الجمل، والبعد عن الحشو والمبالغة وتكلف ما لا طائل تحته، وهو أسلوبٌ عربيّ النّسج، خالٍ من أية عجمة تشينه، أو غرابة وتعقيد يزريان به، ويحطان من قدره، وهو فوق هذا بعيد عن المحسنات البديعية المتكلفة الممقوتة (باستثناء الفقرة الشاذة المضافة المشار إليها سلفاً)، والسجع الموجود في الخطبة من السجع القصير الفقرات الذي لا ينبو عنه الذوق، ولا تَمجُّه الأسماع، لأنَّه خال من كلّ مظاهر الصنعة والتكلف والخطبة في الجملة، تجري على طبيعتها، وعلى هدى معانيها فجملها قصيرة وقوية، متينة السبك، جميلة الصياغة، فلا نجد لفظة مقحمة في غير مكانِها.‏

    6 ـ العاطفة:‏

    تزخر الخطبة بالعواطف الدينية الصادقة، وتظهر عاطفته الدينية واضحة في هذه الخطبة وتتجلى في اهتمامه بالجانبين الروحي والمادي معاً، وفي سعيه إلى الاستشهاد بإيمان كبير وروح عالية، وحث قومه على الجهاد، كما تتجلى العاطفة الطينية في الجمل الدعائية التي تتخلل الخطبة، وفي بعض المعاني التي يستمدها من القرآن الكريم(39).‏

    وعاطفة طارق تتدفق بحب الجهاد والتوق إلى النصر، ولا ريب أنّها عاطفة صادقة قوية، ولولا ذلك ما أحدثت انفعالاً وأثراً قويين في نفوس الجند.‏

    7 ـ المعاني:‏

    ومعانيه واضحة سهلة، بعيدة عن العمق والتكلف خالية من الصور الفلسفية، ولكن الروح الدينية، تعمُّ معاني الخطبة، فنلحظ تأثر طارق بأفكار القرآن الكريم والحديث الشريف، ولاسيما حين يتحدث عن الأثر النفسي للتقاعس واحتمال تجرؤ العدو عليهم بعد جبنه أمامهم، ثم حين يغريهم بالألذ والأرفه بعد الأشق القليل، وكأنَّه يقيس تلك المكافأة الدنيوية على العمل الطيب بمكافأة الآخرة على الدنيا(40).‏

    8 ـ خلاصة:‏

    في ختام حديثنا عن تحليل الخطبة، يجدر بنا أنْ نسجل الملاحظات الآتية:‏

    أ ـ إنَّ مجمل الروايات العربية والإسلامية، قد أشادت بهذه الخطبة، ونوَّهت بما كان لها من أثر في إذكاء شجاعة الجند، وتَمتين الثقة في نفوسهم لتحقيق الانتصار والظفر بِهذه الجزيرة(41).‏

    ب ـ تفكير طارق من خلال هذه الخطبة تفكير سليم، فهو يجيد التعليل والتدليل، ويحسن تقديم الحجج والبراهين.‏

    ج ـ له ذكاء متوقدٌ، يسبرُ أغوار النفس البشرية، ويعرفُ ما يدور في أذهان المستمعين، فيخاطبهم حسب عقولهم.‏

    د ـ لـه مخيلةٌ نشيطةٌ، وإحساسٌ مرهفٌ، فمخيلته تُجسّمُ الأفكار، وتصنع الخطط، وتصوّر المواقف، وإحساسُه يتلقى التأثيرات ويعكسُها لجنُودهِ، وما فعله مع جنوده حين جعل نفسه مثالاً حياً يتقدم صفوف المجاهدين يذكرنا بالقول المأثور: "إذا أردت أن تبكيني فابدأ أنت بالبكاء".‏

    هـ ـ وكانت ثقتهُ في نفسه وفي جيشه كبيرةً، وكان جريئاً في آرائه، رابط الجأش في موقفه.‏

    و ـ كما كان صادقاً مع جنوده لا يراوغ ولا يخاذل.‏

    ز ـ وتعدّ هذه الخطبة، أوّل ريح معطرة بالبلاغة تَهبُّ على أرض الأندلس(42).‏

    ح ـ وقد التزم فيها بلازمة الخطبة (أيها الناس)، كما التزم بالإيجاز، إذ لا إطناب، لأنَّ الظرف غير مناسب لذلك والإيجاز يطلب في ثلاث حالات (الحروب، والتهنئة، والتوصية).‏

    ط ـ وجملة القول: إنَّ خطبة طارق بن زياد، في مجملها جيدة من حيث قيمتها الفنية، وهي تدل على رسوخ ملكة البيان في القواد وخبرتِهم بالقيادة ونفوس الجند(43).‏

    ثالثاً: خطبة طارق بين الشك واليقين‏

    تمهيد:‏

    لقد اختلف الدارسون بشأن هذه الخطبة وبشأن الأبيات التي قالها طارق بن زياد في الفتح، وأوردها المقري في النفح نقلاً عن الحجاري في "المسهب" وابن اليسع في "المغرب"(44)، فاختلفوا في نسبة هذين النصين إليه، فوقف بعض الباحثين وقفة شك في نسبة الشعر والخطبة إليه وأثبتهما له باحثون آخرون، وسنتناول آراء هؤلاء وهؤلاء في هذه الخطبة ونسبتها إلى طارق، ثم نبين بطلان هذا الشك.‏

    1 ـ الشاكون في الخطبة:‏

    لقد شك بعض المؤرخين في صحة هذه الخطبة ونسبتها إلى طارق، ويبدو أنَّ هذا الشك جاء أولاً من بعض المستشرقين الذين يشك في نياتِهم(45) (لأن "الاستشراق" و"الاستعمار" و"التبشير" ثلاثة أسماء لشيء واحد)، ثم حذا حذوهم بعض مؤرخي العرب، فشكوا هم بدورهم في نسبة الخطبة، ومن هؤلاء الدارسين الشاكين: الدكتور أحمد هيكل(46) والدكتور عمر الدقاق(47)، والأستاذ محمد بن تاويت والدكتور محمد الصادق العفيفي(48) والأستاذ محمد عبد الله عنان(49)، والأستاذ محمد حسن كجة(50)، والدكتور عمر فروخ(51)، والدكتور أحمد بسام الساعي(52) والدكتور سوادي عبد محمد(53)، والدكتور عبد الرحمن الحجي(54)، وغيرهم. غير أنه يكاد يكون الدكتور أحمد هيكل في كتابه (الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة) هو الأصل لمعظم الدراسات التي ظهرت بعده في هذا الموضوع، وعليه اعتمد الدارسون الآخرون حيث نقلوا كلامه بتصرف، ولهذا سنورد رأيه دون الالتفات إلى آراء الآخرين.‏

    2 ـ أسباب الشك.‏

    يرتاب الدكتور أحمد هيكل ومن حذا حذوه في نسبة الخطبة إلى فاتح الأندلس، ويرون أن نسبتها إليه يحف بها كثير من الشك، وذلك لعدة أسباب منها:‏

    أ ـ أن طارق بن زياد كان بربرياً مولى لموسى بن نصير، وكان أول عهده بالإسلام والعربية عام تسعة وثمانين للهجرة (89هـ/ 707م)، وهو العام الذي استولى فيه موسى بن نصير على بلاد المغرب، فلا يعقل أن يكون طارق قد اكتسب في هذه السنوات الثلاث اللسان العربي الفصيح والملكة البلاغية الرفيعة التي تؤهله لإلقاء مثل هذه الخطبة.‏

    ب ـ ومن أسباب هذا الشك أنَّ المصادر الأولى التي سجلت حوادث الفتح، قد خلت تَماماً من أيّ حديث عن هذه الخطبة، ولم يرد ذكرها إلاّ في بعض المصادر المتأخرة كثيراً عن فترة الفتح، كنفح الطيب للمقري.‏

    ج ـ ومن أسباب الشك أيضاً أسلوب الخطبة الذي لم يكن معروفاً في تلك الفترة، فالسجع والمحسنات البديعية، قد عاشت في عصر متأخر كثيراً عن أواخر القرن الأول الهجري..‏

    د ـ أمّا "العربان" الذين ذكرهم طارق في خطبته "وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك من الأبطال عرباناً"، فلم يكونوا في حقيقة الأمر، وحسب المصادر التاريخية الموثوقة "عُرباناً"، بل كان معظم أفراد جيش طارق من برابرة المغرب(55).‏

    3 ـ بُطلان هذه الأسباب بالدليل العقلي:‏

    يبدو في كلام الدكتور أحمد هيكل ومن سار في فلكه مبالغة واضحة، ونحن نختلف معهم فيما ذهبوا إليه، ونرد عليهم بالحجة فيما يأتي:‏

    أ ـ بالنسبة إلى السبب الأول، المتعلق بكون طارق بن زياد حديث عهد بالإسلام والعربية، وأنَّه لا يستطيع الخطابة بلغة هو حديث عهد بِها.‏

    يبدو أنَّ الذين رأوا هذا الرأي لم يدققوا النظر في حياة الرجل الذي كان على صلة بالعروبة والإسلام منذ حداثته، فقد ذكر لهُ ابن عذاري أبوين في الإسلام (طارق بن زياد بن عبد الله)(56)، وأغلب الظن أنَّه ليس هو الذي أسلم أوّلاً، بل والده وجدُّه الذي يكون قد سُبيَ في إحدى حملات الفتح الأولى وأخذ إلى (مصر) أو (الشام)، وهناك في ديار الإسلام نشأ طارقُ مسلماً، فأحسن العربية مع الاحتفاظ بلهجة أجداده البربرية، ثم جُنِّد بعد ذلك في إحدى حملات موسى بن نصير، وجاء مَعَهُ إلى المغرب(57).‏

    ولهذا يكون طارق قد أجاد العربية في المشرق، وبلغ من الفصاحة والبلاغة درجة عالية جعلته ينظم الشعر ويلقي الخطب. وإذن فطارق ليس حديث عهد بالإسلام والعربية، ولابد أنَّ نعيد النظر في هذه المسألة.‏

    ب ـ وأمّا بالنسبة إلى إهمال المصادر القديمة لهذه الخطبة، وظهورها في كُتُبِ المؤرخين والأدباء المتأخرين، على حدّ زعمهم، فهذا الأمر لا ينهض دليلاً على رفضها، لاسيما ونحن نعرف أنَّ ما وصلنا مِنْ هذه المصادر قليل جدّاً، وأنَّ ما وصلنا فيها من أخبار ونصوص ليس غير جزء ضئيل مما كنّا ننتظر، وما زلنا ننتظر أنْ يصلنا يوم يُكشَفُ النّقابُ فيه عن تراثنا الدفين ثم إنَّ القول بإهمال المصادر القديمة لهذه الخطبة قولٌ مبالغ فيه، فقد فات الدكتور أحمد هيكل والأستاذ عبد الله عنان ومن حذا حذوهما أن يطلعوا على كتُب كثيرة ألفتْ قبل "نفح الطيب" ورَدَتْ فيها هذه الخطبة بنصوص متشابهة حيناً، ومختلفة حيناً آخر(58)، وهي:‏

    1 ـ تاريخ عبد الملك بن حبيب(59) المتوفى سنة 238هـ.‏

    2 ـ الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة(60)، المتوفى سنة 276 هـ.‏

    3 ـ سراج الملوك للطرطوشي(61)، المتوفى سنة 520هـ.‏

    4 ـ ريحان الألباب وريعان الشباب في مراتب الآداب لأبي محمد عبد الله المواعيني الإشبيلي(62)، عاش في عصر الموحدين.‏

    5 ـ وفيات الأعيان لابن خلكان(63)، المتوفى سنة 681هـ.‏

    6 ـ تحفة الأنفْس وشعار أهل الأندلس لعلي بن عبد الرحمن بن هذيل(64)، عاش في القرن الثامن الهجري.‏

    7 ـ أمّا صاحب نفح الطيب(65)، فقد توفي سنة 1041 هـ.‏

    وإذن، فقد وردت هذه الخطبة المنسوبة إلى طارق في مصادر قديمة، مشرقية ومغربية، دون أن يتفطَّن إليها هؤلاء الشاكون، ولم يكن صاحب نفح الطيب أوّل من أوردها، على حدّ زعمهم. ونعتقد أنَّ هذا الوهم ناتج عن عدم التمحيص والتدقيق أثناء الدراسة، والاكتفاء بنقل الأحكام الجاهزة دون التأكد من صحتها أو خطئها، ودون إجهاد النفس بالعودة إلى المصادر القديمة للتوثق من صحة تلك الأحكام.‏

    ج ـ أمّا بالنسبة لأسلوب الخطبة الذي لم يكن معروفاً في تلك الفترة، فالسجع والمحسنات البديعية، قد عاشت في عصر متأخر عن أواخر القرن الأول الهجري على حدّ رأيهم.‏

    لقد أشرنا إلى هذه المسألة عند حديثنا عن الأسلوب، وبيّنا بطلان هذا الزعم، فأسلوب الخطبة هو أسلوب الخطابة في ذلك العصر، بشكل عام، يمتاز بالقوة والجزالة، وهو فوق ذلك بعيد عن المحسنات البديعية الممقوتة، ما عدا الفقرة الشاذة التي يغري فيها طارق جنوده بفتيات الأندلس. فهي ليست من إنشاء طارق، وإنما أضافها بعض المستشرقين الحاقدين على الإسلام والمسلمين لتشويه التاريخ الإسلامي المجيد بجوانبه المتعددة، فالجيوش الإسلامية لم تكن تغزو من أجل الغنائم وإنما كانت تغزو في سبيل فكرة وعقيدة وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.‏

    ولذا، فلا يمكن أنْ نظنَّ ـ كما ظنَّ هؤلاء الشاكون ـ لأنَّ هذه الفقرة وسائر فقرات الخطبة أجزاء من عمل أدبي واحد، فالفارق واضح في الأسلوب، وفي المعاني، وفي مخالفتها لحقائق تاريخية أحياناً، كإقحام كلمة "اليونان" في الفقرة المضافة...‏

    د ـ أمَّا الرد الرابع، فيتعلّقُ بكلمة (عربان)، فقد وردت في بعض النسخ بالزاي المعجمة (عزبان: جمع عزب)، وعلى هذا الوجه ينتفي الشك الذي استندوا إليه، لأنَّ معظم أفراد جَيْشيه الذي جهّز به حملته كان من برابرة المغرب(66).‏

    4 ـ المثبتون للخطبة:‏

    وإذا كان بعضُ الدّارسين قد شكّوا في صحة هذه الخطبة ونسبتها إلى طارق ـ كما رأينا ـ انطلاقاً من حجج نراها واهية، وفندناها، فإنَّ هناك باحثين آخرين رَدوا على من شك في صحتها، وتصدُّوا لإثبات صحتها ونسبتها، ومن هؤلاء الدارسين أستاذنا الدكتور عبد السلام الهراس الذي "أورد نصوص خطبة طارق من المصادر المختلفة التي أحصاها، وهي: نص ابن خلكان ـ نص الإمامة والسياسة ـ نص تحفة الأنفس لابن هذيل ـ نص ريحانة الألباب للمواعيني ـ نص عبد الملك بن حبيب ـ نص الطرطوشي ـ نص نفح الطيب وهو المعروف المتداول، وقارن بينها، واستخلص منها ثلاث صور للنص مختلفة بعض الاختلاف ولا سيما في الصياغة هي:‏

    أ ـ نص الإمامة والسياسة.‏

    ب ـ نص ابن خلكان ونفح الطيب.‏

    ج ـ نص ابن هذيل، وهو يجمع بين النصين السابقين.‏

    وتوصل من خلال دراسته لهذه النصوص إلى إثبات صحتها"(67). كما أثبتها الأستاذ عبد الله كنون(68)، والعلامة شكيب أرسلان(69)، والأستاذان: محمد الطيب وإبراهيم يوسف(70)، والدكتور علي لغزيوي(71) والدكتور عباس الجراري الذي تناول نص الخطبة على أساس أنَها من الأدب المغربي "وأورد نصوصها من المصادر السابقة، وانتهى إلى إثباتِها مع الإشارة إلى بعض الشك حولها بسبب اختلاف النصوص، ولكنّه يرجّح أنَّها ليست من إنشاء طارق، وإنما كتبت له ليلقيها في الجيش"(72) وقد تناول السمات الفنية للخطابة في هذا العصر، فوازن بين خطب الأمويين بالمشرق وخطبة طارق من الناحية الفنية، وتوصل إلى النتائج نفسها المشار إليها آنفاً(73).‏
    نهاية البطل
    توجه طارق بن زياد بصحبة موسى بن نصير إلى دمشق ومعه أربعمائة من أفراد الأسرة المالكة وجموع من الأسرى والعبيد والعديد من النفائس.
    ولما وصلا طبريا في فلسطين، طلب منهما سليمان ولي العهد التأخّر حتى يموت الخليفة الوليد الذي كان يصارع الموت. لكنهما تابعا تقدّمهما ودخلا مع الغنائم إلى دمشق.
    وبسبب هذا غضب عليهما سليمان، لأنه كان يريد أن ينسب الفتح والغنائم لنفسه ..
    وعندما تولّى سليمان الخلافة ، عزل موسى وأولاده ، وقتل ابنه عبد العزيز بن موسى الذي شارك في فتح الأندلس . أما طارق بن زياد جالب النصر والغنائم فأهمِلَ وبقي بدون شأن ومات فقيراً سنة 720 م.
    عانى طارق بن زياد من الظلم والحبس عند موسى بن نصير، فحسب أن العدل عند الخليفة الوليد .. لهذا توجه إلى الشام . ولكن بعد وصوله مع موسى بن نصير إلى دمشق، مات الخليفة بعد أربعين يوماً ، وتسلّم السلطة وليّ العهد الذي كان يتوعدهما، والذي انتقم من كليهما.
    مات طارق بن زياد معدماً . وقيل انه شوهد في آخر أيامه يتسوّل أمام المسجد !! وكان يستحقّ أن يكون والياً على البلاد التي فتحها مثله مثل عمرو بن العاص الذي فتح مصر وتولى ولايتها ….
    الغريب ان تكون نهاية ذلك البطل تلك النهاية ولكن تلك طبيعة انظمة الاستبداد







  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الدولة
    Egypt
    المشاركات
    29,416
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: طارق بن زياد

    اسير

    اشكرك على هذا العرض الاكثر من رائع عن هذه الشخصية الشهيرة والمميزة

    واتسأل كثير هل في وقتا الحالي قائد مثل طارق بن زياد أو صلاح الدين

    ام اختفت الشجاعة والمروءة من قلوب العرب

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الدولة
    في بساتين الكلمات
    المشاركات
    4,003
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي رد: طارق بن زياد

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة lovermoon مشاهدة المشاركة
    اسير

    اشكرك على هذا العرض الاكثر من رائع عن هذه الشخصية الشهيرة والمميزة

    واتسأل كثير هل في وقتا الحالي قائد مثل طارق بن زياد أو صلاح الدين

    ام اختفت الشجاعة والمروءة من قلوب العرب

    فعلا ياعماد

    اين امثالهم في زمننا هذا

    لقد اختفت الشجاعة وماتت النخوة والغيره علي ديننا وارضنا

    والكل يقف وقفة الهازئ

    مرورك لصفحاتي تاج اعتز به

    خالص ودي وتقديري

    اسير

المواضيع المتشابهه

  1. تحميل كرتون طارق بن زياد فاتح الاندلس مدبلج
    بواسطة lovermoon في المنتدى منتدى افلام الانمي والكرتون
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2011-09-12, 12:48 PM
  2. تحميل فيلم كرتون فتح الأندلس طارق بن زياد ناطق باللغة العربية
    بواسطة بركان في المنتدى منتدى افلام الانمي والكرتون
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2011-04-12, 06:16 PM
  3. انشودة يومها ماذا نقول أداء طارق جابر أبو زياد
    بواسطة صوت لبنان في المنتدى الاناشيد والتسجيلات الصوتية والمرئيات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2010-09-05, 04:55 PM
  4. ..][.. يومها ماذا نقول ؟! ، أداء : طارق جابر || أبو زياد || ..][..
    بواسطة همسات الامل في المنتدى الاناشيد والتسجيلات الصوتية والمرئيات
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2010-09-04, 12:45 AM
  5. ..][.. يا شهيدْ ،، طارق جابر [ أبو زياد ] ..][..
    بواسطة همسات الامل في المنتدى الاناشيد والتسجيلات الصوتية والمرئيات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2010-08-31, 02:50 PM

Visitors found this page by searching for:

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •